أحمد مطلوب
235
معجم المصطلحات البلاغية وتطورها
بلغ بلاغة : صار بليغا « 1 » . ولعل أول ما تردد من معنى البلاغة في سؤال معاوية بن أبي سفيان لصحار ابن عياش ، فقد قال له : « ما هذه البلاغة التي فيكم ؟ » قال : « شيء تجيش به صدورنا فتقذفه على ألسنتنا » . وقال له معاوية : « ما تعدّون البلاغة فيكم ؟ » قال : « الايجاز » . قال له معاوية : « وما الايجاز ؟ » قال : « أن تجيب فلا تبطيء وتقول فلا تخطىء » « 2 » . وفي كتاب « البيان والتبيين » للجاحظ تعريفات كثيرة للبلاغة عند العرب وغيرهم « 3 » وفسرها عمرو بن عبيد في أول الأمر تفسيرا دينيا ثم قال : « فكأنك تريد تخير اللفظ في حسن الافهام : وقال : « إنّك إذا أوتيت تقرير حجة اللّه في عقول المكلفين وتخفيف المؤونة على المستمعين وتزيين تلك المعاني في قلوب المريدين بالألفاظ المستحسنة في الآذان ، المقبولة عند الأذهان رغبة في سرعة استجابتهم ونفي الشواغل عن قلوبهم بالموعظة الحسنة على الكتاب والسّنّة كنت قد أوتيت فصل الخطاب واستحققت على اللّه جزيل الثواب » « 4 » . وقال الأصمعي عن البليغ إنّه « من طبق المفصل وأغناك عن المفسر » « 5 » . وقال العتابي إنّ « كل من أفهمك حاجته من غير إعادة ولا حبسة ولا استعانة فهو بليغ ، فإن أردت اللسان الذي يروق الألسنة ويفوق كل خطيب فاظهار ما غمض من الحق وتصوير الباطل في صورة الحق » « 6 » . واكتفى الجاحظ بذكر قول بعضهم وهو من أحسن ما اجتباه ودوّنه : « لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظة ولفظه معناه فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك » « 7 » . وقال المبرد : « إنّ حق البلاغة إحاطة القول بالمعنى واختيار الكلام وحسن النظم حتى تكون الكلمة مقارنة أختها ومعاضدة شكلها وأن يقرب بها البعيد ويحذف منها الفضول » « 8 » . وقال العسكري : « البلاغة من قولهم : بلغت الغاية إذا انتهيت إليها وبلغتها غيري ومبلغ الشيء منتهاه . والمبالغة في الشيء الانتهاء إلى غايته فسميت البلاغة بلاغة لأنّها تنهي المعنى إلى قلب السامع فيفهمه وسميت البلغة بلغة لأنك تتبلغ بها فتنتهي بك إلى ما فوقها وهي البلاغ أيضا » « 9 » . وأبدى رأيه في تعريفها وحدّها بقوله : « البلاغة كل ما تبلغ به قلب السامع فتمكنه في نفسه كتمكنه في نفسك ، مع صورة مقبولة ومعرض حسن » « 10 » . والبلاغة عنده من صفة الكلام لا من صفة المتكلم ولذلك لا يجوز أن يسمى اللّه - سبحانه - بليغا إذ لا يصح أن يوصف بصفة موضوعها الكلام . ولم يعرّف الخفاجي البلاغة تعريفا دقيقا واكتفى بالإشارة إلى اضطراب القوم في حدّها ، وفرّق بينها وبين الفصاحة فقال : « والفرق بين الفصاحة والبلاغة أنّ الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ والبلاغة لا تكون إلا وصفا للألفاظ مع المعاني . لا يقال في كلمة واحدة لا تدل على معنى يفضل عن مثلها بليغة وإن قيل فيها فصيحة ، وكل كلام بليغ فصيح ، وليس كل فصيح بليغا » « 11 » . ولم يعرّفها عبد القاهر ، والفصاحة والبلاغة والبراعة
--> ( 1 ) اللسان ( بلغ ) . ( 2 ) البيان ج 1 ص 96 . ( 3 ) البيان ج 1 ص 88 . ( 4 ) البيان ج 1 ص 114 ، عيون الأخبار ج 2 ص 170 . ( 5 ) البيان ج 1 ص 106 . ( 6 ) البيان ج 1 ص 113 ، وينظر الممتع ص 311 . ( 7 ) البيان ج 1 ص 115 . ( 8 ) البلاغة ص 59 . ( 9 ) كتاب الصناعتين ص 6 . ( 10 ) كتاب الصناعتين ص 10 . ( 11 ) سر الفصاحة ص 60 .